ابراهيم بن عمر البقاعي

413

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كانت أفهامهم واقفة مع المحسوسات لجمودهم . وكان البلى كلما كان أقوى كان ذلك البالي في زعمهم من البعث أبعد ، قالوا مخرجين في جملة فعلية عطفا على الواو من ( معبوثون ) من غير تأكيد بضمير الفصل بالاستفهام : أَ وَآباؤُنَا أي يبعث آباؤنا أي يوجد بعثهم من حين ، وزادوا الاستبعاد على ما أفهموا بقولهم : الْأَوَّلُونَ * أي الذين قد بليت مع لحومهم عظامهم ، فصاروا كلهم ترابا ولا سيما إن حملتهم السيول ففرقت ترابهم في كل أوب ، وذهبت به في كل صوب ، وسكن نافع وابن عامر الواو على أن العاطف ( أو ) ويجوز أن يكون العطف على محل « إن » واسمها . ولما كانوا في غاية الجلافة ، رد إنكارهم بإثبات ما نفوه ، وزادهم الإخبار بإهانتهم ثم دل على صحة ذلك بالدليل العقلي لمن يفهمه ، فقال مخاطبا لأعلى الخلق وأوقفهم به لأن هذا المقام لا يذوقه حق ذوقه إلا هو كما أنه لا يقوم بتقريره لهم والرفق بهم إلا هو : قُلْ أي لهم ولكل من كان مثلهم ، وأكد لإنكارهم : إِنَّ الْأَوَّلِينَ الذين جعلتم الاستبعاد فيهم أوليا ، ونص على الاستغراق بقوله : وَالْآخِرِينَ * ودل على سهولة بعثهم وأنه في غاية الثبات ، منبها على أن نقلهم بالموت والبلى تحصيل لا تفويت : لَمَجْمُوعُونَ * بصيغة اسم المفعول ، في المكان الذي يكون فيه الحساب . ولما كان جمعهم بالتدريج ، عبر بالغاية فقال : إِلى مِيقاتِ أي زمان ومكان يَوْمٍ مَعْلُومٍ * أي معين عند اللّه ، ومن شأنه أن يعلم بما عنده من الأمارات ، والميقات : ما وقت به الشيء من زمان أو مكان أي حد . ولما كان زمان البعث متراخيا عن نزول القرآن ، عبر بأداته وأكد لأجل إنكارهم فقال : ثُمَّ أي بعد البعث بعد الجمع المدرج إِنَّكُمْ وأيد ما فهمه من أصحاب الشمال هم القسم الأدنى من أصحاب المشأمة فقال : أَيُّهَا الضَّالُّونَ أي الذين غلبت عليه الغباوة فهم لا يفهمون ، ثم أتبع ذلك ما أوجب الحكم عليهم بالضلال فقال : الْمُكَذِّبُونَ * أي تكذيبا ناشئا عن الضلال والتقيد بما لا يكذب به إلا عريق في التكذيب بالصدق لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ منبته النار . ولما كان الشجر معدن الثمار الشهية كالسدر والطلح ، بينه بقوله : مِنْ زَقُّومٍ * أي شيء هو في غاية الكراهة والبشاعة في المنظر ونتن الرائحة والأذى ، قال أبو عبد اللّه القزاز في ديوانه الجامع وعبد الحق في واعيه : الزقم : شوب اللبن والإفراط فيه ، يقال : بات يزقم اللبن زقما ، ومن هذا الزقوم الذي ذكره اللّه تبارك وتعالى ، وقالا : قال أبو حنيفة : الزقوم شجرة غبراء صغيرة الورق لا شوك لها زفرة لها كعابر في رؤوسها ولها ورد تجرشه النحل ، ونورها أبيض ورأس ورقها قبيح جدا ، وهي مرعى ، ومنابتها السهل ، وقال في القاموس : في الدفر بالدال